التخطي إلى المحتوى الرئيسي

القاعدة العامة في المسؤولية التقصيرية المسؤولية عن العمل الشخصي

القاعدة العامة في المسؤولية التقصيرية
                              المسؤولية عن العمل الشخصي
القاعدة العامة في المسؤولية التقصيرية هي المسؤولية عن العمل الشخصي، وهي مسؤولية تقوم على خطأ واجب الإثبات، ويقع على عاتق المضرور إثباته. وبالتالي لا تقوم هذه المسؤولية إلا إذا توافرت أركانها.وإذا اجتمعت هذه الأركان، فتنتج هذه المسؤولية آثارها.
المطلب الأول: أركان المسؤولية التقصيرية
تنص المادة 164م.س ( المادة 163 م.مصري) على أنه ((كل خطأ سبب ضرر للغير يلتزم من ارتكبه بالتعويض)). ويتبين من ذلك أن المسؤولية التقصيرية تقوم، على غرار المسؤولية العقدية، على ثلاثة أركان، وهي: الخطأ والضرر وعلاقة السببية بين الخطأ والضرر.
الفقرة -1- الخطأ: اختلف الفقه في تحديد المقصود بالخطأ كركن من أركان المسؤولية التقصيرية، والسبب في ذلك أن القانون لم يعرَف الخطأ، وإنما ترك ذلك للفقه. فيرى البعض بأنه إخلال بالتزام سابق. وهذه الالتزامات هي الإمتناع عن استعمال العنف، والامتناع عن استعمال الغش والخديعة، والامتناع عن القيام بعمل لم تتهيأ له القوة والمهارة اللازمتين، واليقظة والحيطة في أداء  واجب الرقابة على الأشخاص أو على الأشياء. وعرفه البعض الآخر بأنه إخلال بالثقة المشروعة. فمن حق الشخص على الناس أن يقوم بعمل دون أن يتوقع الإضرار بالغير. ومن حق الناس على الشخص أن يمتنع عن الأعمال التي تضر بهم. فإذا أقدم شخص على القيام بعمل يجب عليه ألا يخل بهذه الثقة المتبادلة المشروعة، وإلا كان مخطأ وبالتالي مسؤولاً عن الضرر الذي يلحقه بالغير. وقال قسم ثالث من الفقه بأن الخطأ هو اعتداء على الحق، أو إخلال بالتزام قانوني. وهذا الالتزام هو الامتناع عن الإضرار بالغير، وبالتالي هو التزام ببذل عناية. فيجب على الشخص أن يكون في سلوكه يقظاً ومتبصراً حتى يمتنع عن الإضرار بالغير. فإذا أنحرف عن ذلك السلوك وكان يدرك ذلك،كان هذا الإنحراف خطأً. وتعرَف محكمة النقض السورية الخطأ بأنه " سلوك معيب لا يأتيه رجل بصير وجد في ذات الظروف الخارجية التي أحيطت بالمسؤول". وجاء في قرار آخر لهذه المحكمة أن الخطأ هو :" ..الإنحراف في السلوك والتقصير ببذل العناية اللازمة بصورة تؤدي إلى الإضرار بالغير، فتترتب المسؤولية المدنية بمجرد الاخلال ببذل العناية اللازمة بصورة تؤدي إلى الإضرار بالغير، سواء أكان هذا الاخلال عن عمد، أو إهمال ، أوقلة احتراز. والضابط في ذلك السلوك المألوف عن الشخص العادي". وجاء في قرار آخر أن  "الالتزام القانوني الذي يعد الاخلال به خطأ في المسؤولية التقصيرية هو دائماً التزام ببذل عناية، فمن أنحرف عنه وهو قادر على التمييز تحققت مسؤوليته...".  ويتبين مما سبق أن الخطأ، كركن من أركان المسؤولية التقصيرية، يقوم هو أيضاً على ركنين: ركن مادي وهو التعدي، وركن معنوي وهو الإدراك. وفي بعض الأحيان ينص القانون على رفع صفة عدم المشروعية عن الخطأ. وفي أحيان أخرى ينص على تطبيقات خاصة للخطأ. 
أولاً:- أركان الخطأ: يقوم الخطأ على ركن مادي و ركن معنوي.
1:- الركن المادي: التعدي: الخطأ إذاً هو إنحراف في السلوك، والإنحراف هو تعد يجاوز فيه الشخص الحدود التي يجب أن يلتزم بها في سلوكه. ويمكن أن يكون هذا التعدي عمداً، كان يتعمد الشخص الإضرار بالغير، ويسمى في هذه الحال بالجريمة المدنية. وقد يكون مجرد إهمال وتقصير، ويسمى في هذه الحال بشبه الجريمة المدنية. ومعيار الإنحراف في السلوك هو معيار موضوعي لا ذاتي. ومعنى ذلك أن التعدي الذي يقع من الشخص عن طريق الإهمال والتقصير،لا يقاس مقياساً شخصياً، أي لا يقاس على سلوكه الشخصي، وإنما يقاس بشكل مجرد، والمعيار في ذلك هو سلوك الرجل المعتاد أو الشخص العادي، وهو معيار موضوعي. والسبب في ذلك أن التعويض هو جزاء مدني ينظر فيه إلى التعدي قبل النظر إلى المعتدي. وهو يقع على مال المعتدي قبل أن يقع على نفسه. والرجل المعتاد أو الشخص العادي لا وجود له فعلياً وإنما هو رجل افتراضي وهو من أواسط الناس ، لا هو خارق الذكاء وشديد الفطنة، ولا هو شديد الإهمال ومحدود الفطنة. ويسمى هذا الشخص في القانون الروماني برب الأسرة الصالح. وبالتالي ينظر إلى سلوك هذ الشخص العادي المألوف. ويقاس عليه سلوك الشخص الذي ينسب إليه التعدي. فإذا كان هذا الشخص لم ينحرف في سلوكه عن السلوك المألوف، فلا يكون قد تعدى. أما إذا هو أنحرف في سلوكه عن ذلك السلوك المألوف، فيكون قد تعدى، وبالتالي يتوافر في فعله الركن المادي للخطأ. ولا يهم بعد ذلك أن يكون التعدي إيجابياً أو سلبياً. والتعدي الإيجابي هو أن يقوم الشخص بفعل يؤدي إلى إلحاق الضرر بالغير. وهذه هي الصورة المعتادة للمسؤولية التقصيرية. ولم يحدد القانون المدني هذه الأفعال على سبيل الحصر. على العكس من ذلك، فإن هذه الافعال في قانون العقوبات محدودة على سبيل الحصر إستناداً إلى القاعدة الدستورية القائلة لاجريمة ولاعقوبة دون نص قانوني. ويترتب على ذلك، وقد سبق قوله، أن كل خطأ جزائي هو بالضرورة خطأ مدني ولكن ليس كل خطأ مدني هو بالضرورة خطأ جزائي. وأما التعدي السلبي فهو الامتناع عن القيام بفعل. فإذا أمتنع شخص عن القيام بعمل، وأدى ذلك الامتناع إلى إلحاق ضرر بالغير، فهل يشكل ذلك الامتناع تعدياً، وبالتالي يسأل عنه ذلك الشخص؟ مثال ذلك أن يمتنع الطبيب عن إسعاف جريح صادفه في الطريق، أو يمتنع شخص عن إنقاذ غريق. يميز بعض الفقهاء، في هذا الصدد، بين امتناع يرتبط بنشاط سابق، وبين امتناع محض أو مجرد. والامتناع المرتبط بنشاط سابق هو امتناع تمَ أثناء القيام بعمل إيجابي، وفي مثل هذه الحال يبدو أن الفعل الإيجابي هو الذي يحدث الضرر، والامتناع يعد إهمالاً. ومثال ذلك امتناع المقاول الذي يقوم بحفر في الطريق العام دون أن يقوم بالتنبيه نهاراً، أو التنوير ليلاً(المادة 737/ج عقوبات)، وامتناع سائق عن إنارة أنوار السيارة ليلاً. أما الامتناع المحض أو الامتناع المجرد، فقد يكون امتناع عن تنفيذ التزام سابق، كما في المثالين السابقين، وبالتالي هذا الامتناع يشكل تعدياً إذا أدى إلى إلحاق ضرر بالغير, وقد يكون امتناعاً محضاً، أي مجرد ترك، وبالتالي لا يعد تعدياً حتى لو ألحق ضرراً بالغير، كالامتناع عن إنقاذ غريق. ولكن الفقه بشكل عام لا يميل إلى هذا التمييز، وبالتالي يرى بأن الممتنع يعد متعدياً إذا كان قد أنحرف عن سلوك الشخص العادي. ويتطلب المعيار الموضوعي مراعاة الظروف الخارجية التي أحاطت بوقوع الفعل. وبالتالي يقاس سلوك الشخص الذي ينسب له التعدي على السلوك المألوف للشخص العادي الذي يوجد في مثل تلك الظروف التي وجد فيها مرتكب الفعل. فمثلاً لو أن شخصاً ارتكب حادث مرور ليلاً وفي المدينة، فيقاس سلوكه على سلوك الرجل العادي الذي يقود السيارة ليلاً وفي المدينة. وبالمقابل فإن الظروف الذاتية لا تؤخذ بالحسبان عندما نقوم بذلك القياس، وبالتالي لا يجب مراعاتها. ومثال هذه الظروف سن مرتكب الفعل، وعمره وحالته الاجتماعية. فمثال السائق الذي يقود السيارة ليلاً يقاس سلوكه على سلوك الشخص العادي، دون مراعاة ما إذا كان صبياً أو إمراة أو رجلاً. أما إذا كان التعدي عمداً، فمعياره ذاتي وليس موضوعي، وبالتالي يجب إثبات قصد الإضرار بالغير. ويقع عبء إثبات التعدي على المضرور، وذلك لأن أساس المسؤولية عن العمل الشخصي هو خطأ واجب الإثبات.   
2:- الركن المعنوي: الإدراك: لا يكفي التعدي لقيام ركن الخطأ في المسؤولية التقصيرية، ولا بد أن يكون من وقع منه التعدي مدركاً له. والإدراك يعني التمييز. فالشخص يعد مسؤولاً عن أعماله غير المشروعة، وفقاً لما جاء في المادة 165/1 م.س (المادة 164/1 م.مصري)، متى صدرت منه وهو مميز. وبالتالي لا يكون عديم التمييز مسؤولاً، من حيث المبدأ، عن أعماله غير المشروعة. وكذلك المجنون و المعتوه. وكذلك لا يسأل من فقد وعيه، لأي سبب من الأسباب كالتخدير، أو المرض، أو التنويم المغناطيسي، عن أعماله غير المشروعة، وذلك لعدم توافر الإدراك لديه، وبالتالي عدم إمكانية نسبة الخطأ إليه. ولكن يشترط في الحالات التي يفقد فيها وعيه، ألا تكون راجعة إلى فعل المسؤول نفسه، فإن كانت كذلك فيعد مسؤولاً في مثل هذه الحال، كمن يتعاطى المسكرات أو المخدرات طوعاً ومن ثم يفقد وعيه وإدراكه ويقدم على إلحاق الضرر بالغير. ويترتب على ذلك أنه يكفي أن يكون الشخص مميزاً، وفقاً لنص المادة 165/1 م.س.  أما عديم التمييز فلا يعد، من حيث الأصل، مسؤولاً عن أعماله غير المشروعة. ولكن يمكن أن يسأل عن هذه الأعمال على سبيل الاستثناء.
- مسؤولية عديم التمييز: الأصل في القانون المدني السوري انعدام مسؤولية عدم التمييز، ويشترط في ذلك أن يكون عدم التمييز تاماً، كما يشترط ألا يكون انعدام التمييز بخطأ منه، وأن يكون عديم التمييز هو المسؤول وحده عن خطأ غير مفترض. و نظراً لمجافاة هذا الحل للعدالة، تدخل المشرع ونص بشكل استثنائي على قيام مسؤولية عديم التمييز عن أعماله غير المشروعة. زد على ذلك أن عديم التمييز يمكن أن يكون مسؤولاً في بعض الحالات وفقاً للقواعد العامة. 
الحالة الأولى: مسؤولية عديم التمييز الاستثنائية: تنص المادة 165/2 م.س ( المادة 164/2م.مصري) على ما يآتي : ((ومع ذلك إذا وقع الضرر من شخص غير مميز ولم يكن هناك من هو مسؤول عنه، أو تعذر الحصول على تعويض من المسؤول جاز للقاضي أن يلزم من وقع منه الضرر بتعويض عادل، مراعياً في ذلك مركز الخصوم)). ويلاحظ أن المشرع لم يقم هذه المسؤولية على أساس الخطأ، وإنما تقوم هذه المسؤولية على أساس تحمل التبعة. ويتبين من نص هذه المادة أن مسؤولية عديم التمييز تمتاز بالخصائص الآتية:
- مسؤولية استثنائية: وذلك لأنها تشكل استثناءً على الأصل الذي قرره المشرع في المادة 165/1 م.س، وهو أنه يكفي لقيام المسؤولية أن يكون الشخص مميزاً . وهي استثنائية لأن الأصل في المسؤولية التقصيرية أن تقوم على الخطأ، ولكن مسؤولية عدم التمييز تقوم على تحمل التبعة استثناءً من هذا الأصل. وكانت مسؤولية عديم التمييز في القانون الفرنسي محل نقاش طويل. ففي القانون الفرنسي أيضاً كان يشترط أن يكون المسؤول مميزاً، وبالتالي كان عديم التمييز غير مسؤول وفقاً لأحكام المادتين 1382 و1383 من التقنين المدني الفرنسي. وكان القضاء الفرنسي يشترط أن يكون الجنون مطبقاً، وأن يكون موجوداً وقت ارتكاب الفعل غير المشروع. ومن ثم تدخل المشرع الفرنسي بموجب القانون رقم 5/68 تاريخ 3/1/1968 المتعلق بحماية عديمي الأهلية البالغين، والذي أضاف المادة 489-2 إلى التقنين المدني، والتي تنص على أن من سبب ضرراً  للغير وهو تحت تأثير اضطراب عقلي يلتزم بتعويضه. وثار السؤال سريعاً حول نطاق تطبيق هذا النص . والأمر المتفق عليه بين الفقهاء هو أن البالغ الذي يقوم بفعل تحت تأثير اضطراب عقلي لم يعد ذلك يشكل بالنسبة له سبباً من أسباب انعدام المسؤولية، وبالتالي يعد هذا البالغ مسؤولاً حتى لو لم يكن قادراً على الإدراك. ولكن مسألة تطبيق هذا النص على القاصر المصاب باضطراب عقلي، أو الطفل غير المميز أثارت جدلاً واسعاً وانقساماً بين الفقهاء. فيرى البعض منهم أن النص استثناء على الأصل، وبالتالي قرر عدم تطبيق هذا النص على القاصر والمجنون أو الصبي غير المميز، فيبقى هؤلاء غير مسؤولين عن أفعالهم غير المشروعة، وذلك لأن النص ورد في الموضع المخصص لحماية البالغين عديمي الأهلية، ولم يفرضه المشرع كمبدأ عام وارد في الموضع المخصص للمسؤولية التقصيرية ( المادة 1382 وما يليها). في حين أن البعض الآخر قال بأن تفسير النص بهذا الشكل الضيق يؤدي إلى عدم مسؤولية القاصر المجنون أو الصبي غير المميز، في حين يكون البالغ المجنون مسؤولاً، وبالتالي ذهب إلى تطبيق النص كمبدأ عام، وهذا ما قررته محكمة النقض الفرنسية. 
- مسؤولية احتياطية: وذلك لأنه لا يحق للمضرور الرجوع على عديم التمييز بموجب المادة 165/2 م.س إلا إذا تعذر عليه الحصول على تعويض من شخص آخر غير عديم التمييز، وهو غالباً متولي الرقابة. فإذا وجد متولي الرقابة كان هو المسؤول ، ويجب على المضرور الرجوع عليه، ويتعذر عليه الرجوع على عديم التمييز. أما إذا لم يكن هناك من يتولى رقابة عديم التمييز، أو أن متولي الرقابة كان معسراً ، أو أنه استطاع أن يدفع المسؤولية عن نفسه ، عندئذ يحق للمضرور الرجوع على عديم التمييز بالتعويض.
- مسؤولية جوازية: فقد ترك نص المادة 165/2 م.س أمر هذه المسؤولية للقاضي، فله أن يحكم بها أو لا وذلك تبعاً للوضع المالي لعديم التمييز وكذلك للمضرور.
- مسؤولية مخففة: طالما أن هذه المسؤولية لا تقوم على الخطأ، فليس من الضروري أن يكون التعويض كاملاً، وإنما يجب أن يكون عادلاً، ويراعي القاضي في ذلك مركز الخصوم، أي عديم التمييز المسؤول عن العمل غير المشروع والمضرور. فيمكن أن يحكم بتعويض كامل، وذلك إذا كان عديم التمييز ثرياً، وكان المضرور فقيراً جداً. وقد لا يحكم القاضي بأي تعويض، وذلك إذا كان المضرور فاحش الثراء، وعديم التمييز مدقع الفقر. ويمكن أن يحكم بتعويض جزئي إذا كان عديم التمييز غنياً ولكن ليس إلى حد الثراء الفاحش، وكان المضرور محتاجاً.
الحالة الثانية: مسؤولية عديم التمييز وفقاً للقواعد العامة: يعد عديم التمييز مسؤولاً، في القانون السوري، في حالات عدة، وأهمها:
- إذا كان انعدام التمييز بخطأ من الشخص نفسه، كمن يتناول بإرادته المسكرات والمخدرات، ومن ثم تفقده وعيه، ويقدم بعد ذلك على إلحاق الضرر بالغير، فإنه يعد مسؤولاً مسؤولية كاملة عن تعويض ذلك الضرر.
- يجوز نسبة الخطأ إلى عديم التمييز، وذلك من أجل قيام مسؤولية من يتولى رقابته، لا من أجل قيام مسؤوليته الشخصية.
-يمكن أن يكون عديم التمييز مسؤولاً كمتبوع أو كحارس للأشياء الحية أو غير الحية، وتكون مسؤوليته في مثل هذه الحالات مسؤولية كاملة.
- يمكن نسبة الخطأ إلى عديم التمييز إذا كان في مكان المضرور لا في مكان المسؤول، وذلك من أجل تخفيف مسؤولية الفاعل في حال ما إذا اشترك إهمال عديم التمييز مع خطأ المسؤول في وقوع الضرر. 

- مسؤولية الشخص الاعتباري: لا تطبق المادة 164 م.س (المادة 163 م.مصري) على الشخص الطبيعي فقط، وإنما تطبق أيضاً على الشخص الاعتباري. فالشخص الاعتباري يسأل مسؤولية شخصية عن الأخطاء التي يرتكبها ممثلوه عند القيام بإدارة شؤونه. وفي مثل هذه الحال يجب نسبة الخطأ مباشرة إلى الشخص الاعتباري، وتكون مسؤوليته على أساس العمل الشخصي، لا على أساس مسؤولية التابع والمتبوع. فمثلاً إذا اصدر مجلس إدارة الشخص الاعتباري، شركة مثلاً، أو مديره أو الجمعية أو الهيئة العامة له قراراً أضر بالغير، فيكون الشخص الاعتباري مسؤولاً على أساس المسؤولية عن العمل الشخصي عن تعويض هذا الضرر. ومثال ذلك أيضاً كأن تقوم الشركة بتقليد علامة تجارية لشركة أخرى. ولكن غالباً ما تقوم مسؤولية الشخص الاعتباري عن أخطاء تابعيه على أساس مسؤولية المتبوع عن أعمال التابع، وفقاً لنص المادة 175 م.س. ولافرق هنا أن يكون الشخص الاعتباري من أشخاص القانون الخاص،كالشركة والجمعية، أو من أشخاص القانون العام، كالهيئات العامة المستقلة والوزارات.
ثانياً:- الحالات التي تنتفي فيها ركن الخطأ: سبق القول أن عبء إثبات التعدي يقع على عاتق المضرور. فإذا استطاع أن يثبت ذلك،كان بإمكان المسؤول إثبات انتفاء الخطأ وذلك أما بإثبات أنه كان في حالة دفاع مشروع عن نفسه أو عن ماله، أو أنه كان في حالة ضرورة، أو أنه كان ينفذ امراً صادراً من رئيسه.
1:- الدفاع المشروع: إذا استطاع المسؤول أن يثبت بأنه كان وقت احداث الضرر في حالة دفاع شرعي، طبقاً لما جاء في المادة 167 م.س ( المادة 166م. مصري)، عن نفسه أو ماله، أو عن نفس الغير أو ماله، فلا يعد مسؤولاً عن ذلك الضرر شريطة ألا يجاوز في دفاعه القدر الضروري. وإذا تجاوز هذا القدر الضروري في دفاعه فإنه يلزم بتعويض تراعى فيه مقتضيات العدالة. ويترتب على ذلك أنه حتى يستطيع المسؤول أن يدفع المسؤولية عن نفسه بإثبات الدفاع الشرعي،يجب أن تتوافر في دفاعه الشرائط الآتية: 
أ:- وجود خطر حال يهدد نفسه أو ماله، أو نفس غيره وماله. ولا يشترط وقوع الخطر بالفعل وإنما يكفي أن يكون محتملاً، أي يكفي أن يسبق الاعتداء فعل يخشى منه وقوعه.أما إذا لم يكن الخطر حالاً، فلا يجوز للمدافع أن يلجأ إلى القوة لدفعه وإلا كان مسؤولاً. فإذا كان بامكانه مثلاً تبليغ السلطة العامة من أجل درء ذلك الخطر، ولم يفعل ولكنه دفع ذلك الخطر بنفسه دون أن يكون حالاً، فيعد مسؤولاً عن الضرر الذي يقع في مثل هذه الحال.
ب:- أن يكون ذلك الخطر غير مشروع، أما إذا كان الخطر مشروعاً فلا يكون من يدافع عن نفسه ضد هذا الخطر المشروع في حالة دفاع شرعي . ومثال ذلك لا يحق لمن يلقى الفبض عليه بموجب مذكرة توقيف قانونية أن يقاوم رجال الشرطة الذين ينفذون تلك المذكرة بحجة الدفاع عن نفسه.
ج:- التناسب بين الاعتداء والدفاع، ويترتب على ذلك أن الدفاع يجب أن يكون بقدر الاعتداء، فلا يجوز أن يكون مفرطاً. أما إذا جاوز شخص حدود الدفاع الشرعي، فلا يسأل مسؤولية كاملة عن تعويض الضرر الذي أحدثه، وإنما يحكم عليه بتعويض تراعى فيه مقتضيات العدالة.
2:- حالة تنفيذ أمر صادر من الرئيس: إذا قام الموظف العام بعمل، وفقاً لما جاء في المادة 168 م.س (المادة 167 م.مصري)، أدى إلى إلحاق الضرر بالغير ، فلا يكون مسؤولاً عن تعويض ذلك الضرر إذا تبين بأنه قام بذلك العمل تنفيذاً لأمر صدر إليه من رئيس، شريطة أن تكون إطاعة ذلك الأمر واجبة عليه أو كان يعتقد بأنها واجبة عليه، وشريطة إثبات أنه كان يعتقد، بناء على أسباب معقولة، أن العمل الذي قام به هو مشروع، وأنه اتخذ الحيطة اللازمة في عمله. وتبين من ذلك أن المسؤول لا يستطيع أن يدفع المسؤولية عن نفسه متضرعاً بأنه نفذ أمراً صادراً من رئيسه إلا إذا توافرت الشرائط الآتية:
أ:- أن يكون المسؤول عن الضررموظفاً عاما. والموظف العام هو من يعمل لدى الدولة. وبالتالي إذا كان المسؤول يعمل في شركة خاصة لايحق له أن يتذرع بأمر صدر له من رئيسه من أجل دفع المسؤولية عن نفسه.
ب:- أن يصدر الأمر من الرئيس، ولو بطريقة غير مباشرة، تكون طاعته واجبة عليه. فإذا كان الأمر غير مشروع، فيجب على المرؤوس أن يمتنع عن تنفيذه، لأن هذا الأمر لا يجب إطاعته.
ج:- أن يثبت الموظف أنه كان يعتقد أن الأمر الذي نفذه كان مشروعاً، وأن اعتقاده كان مبنياً على اسباب معقولة، لا على مجرد التخمين والظن. وثم عليه أن يثبت بأنه راعى جانب الحيطة في عمله. وإذا توافرت هذه الشرائط، كان الموظف العام غير مسؤول عن عمله الذي قام به تنفيذاً لأمر صادر من رئيسه.
3:- حالة الضرورة: تنص المادة 169 م.س( المادة 168 م. مصري) على أن (( من سبب ضرراً للغير ليتفادى ضرراً أكبر، محدقاً به أو بغيره ، لا يكون ملزماً إلا بالتعويض الذي يراه القاضي مناسباً)). يتبين من هذا النص أن حالة الضرورة لا تقوم إلا إذا توافرت الشرائط الآتية: 
أ:- وجود خطر حال يهدد مسبب الضرر بنفسه أو بماله، أو بنفس غيره أو مال هذ الغير: لم يميز القانون بين الخطر الذي يهدد النفس والخطر الذي يهدد المال. ويشترط في الخطر أن يكون حالاً، أما إذا كان مستقبلاً فلا يكون مسبب الضرر في حالة الضرورة، وبالتالي يلزم بدفع كامل التعويض المترتب على الضرر الذي سببه.
ب:- أن يكون مصدر الخطر أجنبياً: أما إذا كان لإرادة مسبب الخطر دوراً في إحداث الخطر، فإنه يسأل مسؤولية كاملة عن الضرر الذي أحدثه. أما إذا كان لاإرادة المضرور دوراً في إحداث الخطر ،فإن مسبب الضرر يمكن أن يكون في حالة دفاع شرعي، إذا توافرت شرائط هذا الدفاع، وبالتالي يعفى إعفاءً كلياً من دفع التعويض عن الضرر الذي سببه.
ج:- أن يكون الضرر المراد تفاديه أكبر من الضرر الذي وقع. فإذا كان الضرر المراد تفاديه تافهاً بالمقارنة مع الضرر الذي وقع،  فلا يكون الشخص في حالة ضرورة، وإنما يسأل مسؤولية كاملة عن الضرر الذي أوقعه. أما إذا كان الضرر الواقع لا يذكر بالمقارنة مع الضرر المراد تفاديه، فيمكن القول بأن الخطر هنا يشكل قوة قاهرة وبالتالي يعفى مسبب الضرر من كامل المسؤولية. أما إذا كان الضرر المراد تفاديه يفوق في الجسامة الضرر الواقع، فهنا تطبيق أحكام حالة الضرورة المشار إليها أعلاه. أما إذا كان الضرر المراد تفاديه يساوي في الشدة والجسامة الضرر الواقع، فلا تتوافر هنا شرائط حالة الضرورة، وبالتالي يعد سبب الضرر مسؤولاً مسؤولية كاملة عن الضرر الذي أحدثه لتفادي ضرر يهدده إذا كان الضرران متساويين في الجسامة. ويلاحظ أن حالة الضرورة إذا توافرت شرائطها لا تؤدي، على خلاف حالة الدفاع الشرعي وحالة تنفيذ أمر صادر من رئيس، إلى الاعفاء التام من دفع التعويض، وإنما يلزم مسبب الضرر بدفع التعويض الذي يراه القاضي مناسباً.
ثالثاً:- تطبيقات خاصة لفكرة الخطأ:
1:- المسؤولية عن الأخطاء المهنية:المسؤولية المدنية للطبيب: في الواقع يلتزم الطبيب بأن يعطي المريض العلاج النافع، وأن يحيطه بالعناية اللازمة، وكل ذلك انسجاما مع المعطيات العلمية المكتسبة.  ويتطلب ذلك من الطبيب أن يقوم بأعمال طبية عدة، كوضع التشخيص الملائم، ووصف العلاج المناسب، وإجراء المداخلة الجراحية اللازمة، فإذا نجم عن أي من هذه الأعمال ضرر فلا يعني ذلك أن الطبيب مسؤول عنه، وإنما يجب إثبات الخطأ في جانبه لتقوم مسؤوليته. وإثبات الخطأ يكون عن طريق إثبات إنحراف الطبيب في سلوكه عن سلوك الشخص العادي، وهو في مثل هذه الحال طبيب من الاختصاص نفسه ووجد في الظروف نفسها التي وجد فيها الطبيب الذي سبب بعمله ضرراً للمريض، ويكون ذلك عن طريق الخبرة الطبية. والخطأ المهني أو التقني الطبي يمكن أن يكون نتيجة لعدم مراعاة أحكام القانون،كما لو قرر طبيب بموجب شهادة طبية حجر شخص في مشفى الأمراض النفسية دون أن يقوم بمعاينة المريض. وقد يكون الخطأ المهني نتيجة مخالفة الأعراف المهنية، كأن يجري طبيب عملية جراحية دون إجراء تحاليل سابقة يعتبرها العرف الطبي ضرورية قبل إجراء العمل الجراحي.كما قد يكون الخطأ المهني الطبي نتيجة عدم مراعاة المعطيات العلمية المكتسبة، وهي المعلومات المعروفة والمنشورة وقت قيام الطبيب بعمله، والتي يجب أن تحوز على ثقة الغالبية من الأطباء. والمسؤولية الطبية معروفة منذ القديم، ولكنها برزت بشكل أساسي في النصف الثاني من القرن العشرين، وفرضت نفسها على القضاء. ويبدو أن محكمة النقض الفرنسية قد أرست أسس هذه المسؤولية لأول مرة بموجب قرارها الصادر بتاريخ 18/6/1835، وقد أثار هذا القرار ردود فعل غاضبة من قبل الأطباء. وبمرور الزمن أصبح بالإمكان تحديد الخطأ المهني للطبيب بدقة متناهية. وبعد ذلك برزت المسؤولية الطبية على صعيد آخر هو التزام الطبيب باعلام المريض. وأخذ هذا الالتزام بعد سنوات الستينيات من القرن العشرين يحتل حيزاً كبيراً من عمل القضاء. زد على ذلك أن طبيعة المسؤولية المدنية للطبيب مرت بتطور كبير. ففي فرنسا لم يكن التقنين المدني لعام 1804 يتضمن نصاً خاصاً بهذه المسؤولية، التي كانت تعد حتى عام 1936 مسؤولية تقصيرية تخضع لأحكام المادة 1382 التي تتعلق بالمسؤولية التقصيرية عن العمل الشخصي. وفي العام 1936 أصدرت محكمة النقض الفرنسية قرارها الشهير باسم ميرسيه Mercier بتاريخ 20/5/1936 والذي اعتبر مسؤولية الطبيب عن الإضرار التي يلحقها بالمريض مسؤولية عقدية تخضع لأحكام المادة 1147 من التقنين المدني. وهذا ماكرسه أيضاً القانون الفرنسي الجديد الصادر بتاريخ 4/3/2002 والمتعلق بحقوق المرضى وجودة نظام الصحة، والذي يقيم مسؤولية الطبيب من حيث المبدأ على أساس الخطأ. ونتيجة ذلك أصبح نطاق تطبيق المسؤولية التقصيرية للطبيب يقتصر على حالة غياب العقد، ورفع دعوى التعويض أمام القضاء الجزائي، والمسؤولية في وسط الفريق الطبي. وتقوم مسؤولية الطبيب، في القانون الفرنسي، في حالات استثنائية على أساس تحمل التبعة، وهذه الحالات هي : المسؤولية الناجمة عن جهاز أو منتج، ومسؤولية المشفى الناجمة عن الإضرار الناجمة عن الأخماج والأنتانات، وكذلك مسؤولية القائم بالأبحاث الطبية الحيوية، وأخيراً الحالة التي يتم فيها تعويض ضحايا الحوادث الطبية غير الناجمة عن الخطأ. أما في القانون السوري، فيذهب الفقه إلى أن طبيعة هذه المسؤولية هي عقدية إذا كان المريض قد اختار طبيبه. ولكن القضاء يرى خلاف ذلك ويعتبر هذه مسؤولية تقصييرية.
2:- حماية البيئة: تعد الحوادث والكوارث التي وقعت في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، وفيما بعد، من أهم العوامل التي أدت إلى إصدار قوانين وتشريعات وطنية، وكذلك إلى تبني معاهدات دولية تهدف إلى حماية البيئة. فعلى الصعيد الدولي مثلاً قامت الأمم المتحدة باستحداث برنامجها للبيئة والمسمى باليونيب عام 1972 على إثر المؤتمر الذ أنعقد في السويد. وعلى الصعيد الأوربي، اعتمد الإتحاد الأوربي بتاريخ 24/6/1982 توجيهاً يتعلق بالحماية من مخاطر الحوادث الجسيمة بالنسبة لبعض الأنشطة الصناعية،والمسمى بتوجيه سيفسو Directive Seveso ،والذي عدل في العام 1996 .  وقد إهتمت سورية بالمشكلات المتعلقة بحماية البيئة بدءاً من منتصف القرن العشرين، وزاد اهتمامها أكثر بهذه المشكلات في بداية القرن الحادي      والعشرين.  ومن أهم القوانين التي صدرت حديثاً في سورية وتهدف إلى حماية البيئة القانون رقم 50 تاريخ 8/7/2002 والمعدل بالقانون رقم 17 لعام 2004 والمتعلق بحماية البيئة، وقانون النظافة العامة العامة رقم 49 تاريخ 5/12/2004، والمرسوم التشريعي رقم 64 تاريخ 3/8/2005 والمتعلق بالأشعة المؤينة والنفايات المشعة، والقانون رقم 9تاريخ 23/2/2006 والمتعلق بحمايةالبيئة البحرية، والمرسوم التشريعي رقم 25 تاريخ 9/4/2007 والمتضمن قانون الحراج. ويقصد بحماية البيئة، وفقاً لما جاء في المادة الأولى من قانون حماية البيئة لعام 2002، المحافظة على استمرار توازن البيئة وتكاملها الانمائي، والمحافظة على بيئة سليمة تصلح للا ستمتاع بالحياة والاستفادة من الموارد والممتلكات على خير وجه. وبمعنى آخر المحافظة على البيئة والارتقاء بها واتخاذ الاجراءات التي تكفل منع تدهورها أو تلوثها، طبقاً لما ذهبت إليه المادة الأولى من المرسوم التشريعي رقم 16 تاريخ 4/8/1994، والمعدل بالقانون رقم 19 تاريخ 6/6/2004، والمتضمن إحداث مركز الدراسات البيئة. ومن أجل ضمان المحافظة على حماية البيئة تمنع كل هذه القوانين والمراسيم التشريعية الإضرار بالبيئة. وتقيم مسؤولية من يضر بالبيئة على أساس تحمل التبعة، وهي في أغلب الحالات مسؤولية تقصيرية.
3:- الأخلاقيات الحيوية: إجراء التجارب على الإنسان: يعد مصلح الأخلاقيات الحيوية،    La bioéthique- The Bioethics ، مصطلحاً حديثاً، إذ استخدمه لأول مرة الطبيب الأمريكي  Van Rensse Laer Potter في العام 1970.  وتعرف الأخلاقيات الحيوية بأنها مجموعة القواعد التي يضعها المجتمع لنفسه وذلك من أجل الاحتفاظ بالمعنى الإنساني بمواجهة المشكلات الناجمة عن التقدم العلمي السريع في مجالات الطب والوارثة وعلم الوراثة والتقانات. وليس بالضرورة أن يحمل هذا التقدم العلمي في تلك المجالات بذاته وبصورة آلية الخير للبشرية، فلا يعد كل ما هو ممكن علمياً وتقنياً بالضرورة خيراً للبشرية. وساهمت عوامل عدة في بروز هذا المصطلح، الذي أخذ يشق طريقة كفرع مستقل من الفروع العلمية، منها الثورة البيولوجية الجزيئية التي تجتاح العالم منذ اكتشاف العالمأن Jeames Watson و Francis Crick بنية الحمض النووي منقوص الأوكسجين في منتصف القرن العشرين، والشعور بالخوف والرعب المتمثل بأخطار الدمار الذاتي المرتبطة ببعض الاكتشافات العلمية الناجمة عن الثورة البيولوجية الجزيئية، وكذلك أزمة الأخلاق العالمية، إذ أن هذه الأخلاقيات ظهرت كبديل لقيم موحدة من أجل مواجهة التحديات الناجمة عن منجزات تلك الثورة. ومن أهم العوامل التي ساهمت في انتشار هذه الثورة البيولوجية الجزيئية واستمرراها هو إجراء البحوث الطبية الحيوية على الإنسان. ومن أجل ذلك اهتم المشرع، وخاصة في الدول المتقدمة علمياً، بتنظيم مثل هذه البحوث. ففي فرنسا مثلاً تدخل المشرع أول مرة من أجل أن ينظم مثل هذه البحوث في العام 1988 بموجب القانون رقم 1138/88 تاريخ 20/12/1988 والمتعلق بحماية الاشخاص الخاضعين للبحوث الطبية الحيوية، والمشهور باسم قانون Huriet، والمعدل بموجب القانون رقم 808/2004 تاريخ 9/8/2004 المتعلق بسياسة الصحة العامة في فرنسا. وتنص المادة (1121-7 ل) من تقنين الصحة العامة الفرنسي على أن القائم بالبحوث الطبية الحيوية يلتزم بتعويض الشخص الذي قبل أن يخضع لها، أو ورثته، عن الإضرار التي لحقت به إذا كانت هذه البحوث لا تحقق منفعه فردية مباشرة له حتى لو لم يكن هناك خطأ، ولا يمكن له أن يدفع المسؤولية عن نفسه بإثبات فعل الغير أو انسحاب الشخص الإرادي من التجربة.وبالتالي لا تقوم مسؤولية القائم بمثل هذه البحوث، في مثل هذه الحال، على أساس الخطأ، وإنما تقوم على أساس تحمل التبعة. أما بالنسبة للبحوث الطبية الحيوية التي تحقق منفعة فردية ومباشرة فتلزم الفقرة الثانية من المادة المذكورة القائم بها بتعويض الشخص الذي قبل الخضوع لها،أو ورثته، عن الإضرار التي لحقت به.ولكنه يستطيع أن يدفع المسؤولية عن نفسه بإثبات أنه لم يخطئ. وبالمقابل لا يستطيع أن يدفع المسؤولية عن نفسه بإثبات فعل الغير أو انسحاب الشخص الإرادي من التجربة. وفي مثل هذه الحال تقوم مسؤولية القائم بمثل هذه البحوث على خطأ مفترض يقبل إثبات العكس، ولكنها تخضع لأحكام خاصة تختلف عن الأحكام العامة للمسؤولية التقصيرية.
أما في سورية، فقد صدر المرسوم التشريعي رقم 37 تاريخ 20/7/2008 الناظم للدراسات الدوائية.ولكن لم ينظم المسؤولية المدنية للقائم بمثل هذه الدراسات. وبالتالي أرى أنها تخضع للفواعد العامة للمسؤولية المدنية.وكما أرى بأنه كان من الافضل أن ينص هذا المرسوم التشريعي على قواعد خاصة لهذا النوع من المسؤولية.
4:- حوادث النقل:  تعد حوادث النقل، بكافة أنواعه البري والبحري والجوي،من أكثر الميادين التي يمكن أن يقع فيها الخطأ. ولكن الخطأ فيها يكتسي طبعاً خاصاً. ويمكن أن يكون النقل بأجر أو يكون مجاناً. والنقل بأجر يمكن أن يكون نقلاً للأشياء أو نقلاً للأشخاص. وينظم النقل البري في سورية بشكل خاص قانون التجارة رقم 33 لعام 2007، والنافذ إعتباراً من 1/4/2008، في المواد 129 وحتى 153 منه. وتميز هذه المواد بين نقل الأشياء ونقل الأشخاص. ومسؤولية الناقل تكون في مثل هذه الحال مسؤولية عقدية تقوم على خطأ مفترض لا يقبل إثبات العكس، وذلك لأن التزامه بالنقل هو التزام بتحقيق نتيجة أو التزام بالسلامة، وبالتالي يجب على الناقل تعويض المضرور عن أي تلف يصيب الشيء أثناء عملية النقل، أو أي ضرر يصيب المسافر أثناء هذه العملية. أما بالنسبة للإضرار التي يمكن أن يلحقها الناقل بالغير،كحوادث السير، فهي تخضع من حيث المبدأ لأحكام مسؤولية حارس الاشياء غير الحية في المادة 179 م.س، وكذلك لأحكام قانون السير لعام 2004 وتعديلاته. وقد إختلف الفقه حول الأساس القانوني لهذه المسؤولية بين الخطأ المفترض إفتراضاً لا يقبل إثبات العكس وبين نظرية تحمل التبعة. وأما النقل البحري، فيخضع لأحكام قانون التجارة البحرية رقم 46 تاريخ 6/12/2006. وتنظم عقد النقل البحري المواد 210 وحتى 292 منه. وهنا أيضاً مسؤولية الناقل هي مسؤولية عقدية، والتزامه هو التزام بنتيجة أو التزام بالسلامة، وبالتالي بمجرد وقوع الضرر تتحقق مسؤوليته. ومن ثم نص القانون على أحكام خاصة بالخطأ في حالة التصادم البحري، وهو من حيث المبدأ خطأ واجب الإثبات، وفقاً لنص المادة 311 منه والتي تنص على أن الخطأ لا يفترض فيما يتعلق بالمسؤولية الناشئة عن التصادم. ثم نص القانون على أحكام خاصة بالمسؤولية في حالة الخسائر البحرية المشتركة. وأما النقل الجوي، فينظمه قانون الطيران المدني رقم6 تاريخ 22/3/2004،والذي أنهى العمل باحكام المرسوم التشريعي رقم 101 لعام 1949. وينص هذا القانون على أحكام نقل الركاب و البضائع في المواد 136 وحتى 141 منه. وبالمقابل تجيز المادة 142 من هذا القانون لكل من أصيب بضرر جسدي أو مادي، ناجم عن طائرة في حالة طيران، أو ناجم عن سقوط اجسام أو اجزاء من الطائرة، الحق بالتعويض دون أن يقع عليه إثبات خطأ أو إهمال مستثمر الطائرة.ويعد مستثمر الطائرة مسؤولاً عن ذلك الضرر. وفي حال الالتباس حول المستثمر يعد مالك الطائرة مستثمراً لها.ولا يستطيع المسؤول أن يدفع المسؤولية عن نفسه، في مثل هذه الحال، إلا اذ اثبت أن الضرر ناجم مباشرة عن نزاع مسلح أو اضطرابات داخلية، أو إذا أثبت أن الضرر ناجم عن فعل أو إهمال ارتكب من قبل المضرور. ولا تقوم المسؤولية في مثل هذه الحال على أساس الخطا، وإنما تقوم على أساس تحمل التبعة،وهي مسؤولية تقصيرية.
أما بالنسبة للنقل المجاني، كمن يصحب قريباً أو صديقاً له في سيارته، فأصيب ذلك الشخص بضرر من فعل الشيء. فيعد الناقل بالمجان، وفقاً للرأي الراجح في الفقه والقضاء، مسؤولا عن ذلك مسؤولية تقصيرية تقوم على خطأ واجب الإثبات، ولا تقوم على أساس مسؤولية حارس الأشياء غير الحية وذلك لأنه يشترط في المسؤولية على أساس الحراسة ألا يكون المضرور قد اشترك مجاناً في استعمال الشيء الذي ألحق به الضرر. 
5:- حوادث العمل: يخضع التعويض عن حوادث العمل في القانون السوري لأحكام قانون التأمينات الاجتماعية رقم 92 تاريخ 6/4/1959 وتعديلاته. وينص هذا القانون على التعويض عن إصابات العمل في المواد 24 وحتى 54 منه. وتقيم هذه المواد مسؤولية رب العمل عن الإصابة الناجمة عن العمل على أساس تحمل التبعة لا على أساس الخطأ. وتمنح هذه المواد العامل المصاب تعويضاً جزافياً. ولا يجوز للعامل أن يرجع على صاحب العمل بكامل التعويض إلا إذا اثبت أن الاصابة ناجمة عن خطأ رب العمل الجسيم، وفقاً لما جاء في المادة 47 منه. وبالمقابل يستطيع رب العمل أن يدفع المسؤولية عن نفسه، ويتخلص من دفع التعويض، إذا أثبت الخطأ العمدي للعامل،أو خطئه الجسيم. 
6:- الاعتداء على الشرف والسمعة والحياة الخاصة: يشكل الاعتداء على الشرف والسمعة والحياة الخاصة خطأ، سواء وقع بسوء نية أو نتيجة رعونة أو تسرع، يستوجب المسؤولية، لأن ذلك يعد إنحرافاً عن السلوك المألوف للشخص العادي. ويكون الاعتداء على الشرف والسمعة بالقذف والسب عن طريق النشر في الصحف أو على صفحات الأنترنت، أو أثناء المرافعة أمام القضاء، أو عن طريق بلاغ كاذب. ويشكل اعتداء على الحياة الخاصة نشر صورة الشخص في الصحف دون موافقته على ذلك، وكذلك التنصت على مكالماته الهاتفية بشكل غير قانوني، وكذلك نشر صور لمنزل شخص مع العنوان واسم صاحب المنزل، وكذلك نشر العنوان البريدي لشخص في وسائل الإعلام، وكذلك ملاحقة شخص ومراقبته بشكل غير مشروع، وكذلك نشر معلومات عن الحالة الصحية للعامل.ولكن بالمقابل لا يعد اعتداءً على الحياة الخاصة نشر المعلومات عن ثروة شخص يعيش حياة عامة، مثل مدير شركة كبيرة، وكذلك لا يعد اعتداءاً على الحياة الخاصة للزوجة والأولاد نشر مقال في الجريدة يكشف عن ظروف قتل زوجها ووالدهم وذلك تلبية لحاجة الجمهور إلى معلومات تتعلق بمثل هذه الجرائم.  
7:- العدول عن الخطبة: الخطبة هي، وفقاً لنص المادة 3 من قانون الاحوال الشخصية السورية لعام 1953 وتعديلاته، وعد بالزواج، يحق لأي من الخطيبين العدول عنها. ولا يعد العدول في مثل هذه الحال خطأًعقدياً. ولكن قد يشكل العدول خطأً تقصيرياً يستوجب التعويض. والمعيار في ذلك هو إنحراف الخطيب عن السلوك المألوف للشخص المعتاد مع مراعاة الظروف الخارجية التي أحاطت بالخطيب أثناء العدول. ويرتب هذا العدول، إذا ألحق ضرراً بالطرف الآخر، تعويضاً عن الضرر المادي كقاعدة عامة. ولكن استثناء يمكن أن يرتب تعويضاًُ عن الضرر الأدبي أيضاً وذلك إذا كان قد سبق فسخ الخطبة استغواء. وبالمقابل في حال استسلام الخطيبين للضعف الجنسي، فلا يرتب العدول أي حق في التعويض سواء عن ضرر مادي أو عن ضرر معنوي.  
8:- التعسف في استعمال الحق: من يستعمل حقه بشكل مشروع لا يكون وفقاً للمادة 5 م.س (المادة 4 م.مصري) مسؤولاً عما ينشأ عن ذلك من ضرر. ويكون استعمال الحق غير مشروع، طبقاً لما جاء في المادة 6 م.س (المادة 5 م.مصري)، في ثلاث حالات، وهي: 
أ:- قصد الإضرار بالغير: يكون الشخص متعسفاً في استعمال حقه إذا لم يكن يقصد به سوى الإضرار بالغير. وبالتالي يجب أن تكون مصلحة صاحب الحق منعدمة في هذه الحال. والمعيار هنا هو ذاتي، لذا يجب على المضرور أن يثبت أن صاحب الحق قصد وهو يستعمل حقه الإضرار به. وله أن يثبت ذلك بجميع وسائل الإثبات.
ب:- عدم التناسب البتة بين المصالح التي يرمي صاحب الحق إلى تحقيقها وبين ما يصيب الغير من ضرر بسببها: والمعيار في هذه الحال هو معيار موضوعي، وبالتالي يقاس سلوك صاحب الحق في هذه الحال على السلوك المألوف للشخص المعتاد. فإذا تبين أن الضرر الذي يلحق بالغير يرجح رجحاناً كبيراً على المصالح التي يريد صاحب الحق تحقيقها، فإن صاحب الحق يكون قد أنحرف عن السلوك المألوف للشخص المعتاد.
ج:- عدم مشروعية المصالح التي يرمي صاحب الحق إلى تحقيقها: وتكون المصالح غير مشروعة إذا كانت مخالفة للقانون أو للنظام العام والآداب العامة. والمعيار في هذه الحال أيضاً موضوعي، وأن كان لا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق نية صاحب الحق، وهي تحقيق مصالح غير مشروعة، ومثال ذلك أن يفصل رب العمل عاملاً وذلك لأنه أنتسب إلى نقابة العمال. 
الفقرة-2- الضرر: وهو ركن جوهري من أركان المسؤولية المدنية بنوعيها العقدية والتقصيرية، لا بل هو مناط هذه المسؤولية التي لا تقوم في حال انتفائه. والضرر بهذا المعنى هو كل ما ينجم عن الاعتداء على حق من حقوق الشخص، أو عن الاخلال بمصلحة مشروعة له، حتى لم يكن القانون يكفلها بدعوى خاصة. وحتى يكون هناك إضرار بمصلحة مشروعة يجب أن يثبت المضرور بأنه فقد شيئاً بسبب الفعل الذي ينسبه للفاعل. وفي مثل هذه الحال يتم المقارنة بين الوضع الحالي للمضرور والوضع الذي كان من الممكن أن يكون موجوداً لولم يقع الفعل الضار. ولا تتم المقارنة مع الوضع السابق لوقوع الفعل من أجل التأكد من وقوع الضرر، مثلاً لو أن زوجة المتوفى، بنتيجة حادث سير، حصلت على عمل بعد الحادث، وبالتالي فإن هذا العمل منحها وضعاً مالياً مشابهاً أو أفضل من الوضع الذي كان يؤمنه لها زوجها قبل وفاته، فإن ذلك لا يحرمها من حقها في المطالبة بالتعويض بسبب فقدان المساهمة التي يقدمها لها زوجها قبل وفاته. ولكن يجب في كل الأحوال أن يترتب على الفعل المنسوب للمسؤول خسارة بالنسبة للمضرور. ففي بعض الأحيان، على الرغم من أن الفعل المولد للمسؤولية يكون سببباً لظهور دين على شخص ثالث، فإن هذا الدين لا يشكل دائماً ضرراً، وذلك لأنه يمكن أن يرافقه فائدة له. وإستناداً إلى ذلك فإن النفقة المترتبة على الوارث، نتيجة وفاة موروثه بسبب حادث،والمتمثلة بتسديد ضريبة التركات لا تشكل ضرراً ناجماً عن الحادث الذي أدى إلى وفاه موروثه، وبالتالي لا يحق له المطالبة بالتعويض عنها. وتختلف أهمية الضرر كركن من أركان المسؤولية المدنية تبعاً للأساس القانوني لهذه المسؤولية. فإذا كانت المسؤولية تقوم على الخطأ، فإن الضرر له مكانة ثانوية في هذه المسؤولية لأنه لا يعد من معطياتها الجوهرية. أما إذا كانت المسؤولية تقوم على تحمل التبعة، فإن الضرر فيها يحتل مكانة بارزة.   ولا يشترط لقيام الضرر أن يقع اعتداء على حق مالي للمضرور، وإنما يمكن أن يقع على حق غير مالي أيضاً. ويترتب على ذلك أن الضرر، كركن من أركان المسؤولية، يمكن أن يكون مادياً أو أدبياً. وقد سبق شرح عناصر الضرر وشرائطه عندما تحدثت عن المسؤولية العقدية. وهنا اقتصر على بعض النقاط التي لم يتم ذكرها سابقاً. وقد اختلف الفقه والقضاء في فرنسا مؤخراً حول إمكانية المطالبة بالتعويض عن الضرر الناجم عن بعض الأفعال التي لم تكن معروفة سابقاً. فعندما أباحت فرنسا في العام 1975 الوقف الإرادي للحمل بشروط معينة، أي الاجهاض الإرادي ، ثار السؤال حول إمكانية المطالبة بالتعويض عن ولادة غير مرغوبة. وقد عرضت قضية بهذا الشأن على الهيئة العامة لمجلس الدولة الفرنسي في العام 1982، والذي قرر بنتيجتها أن ولادة طفل، حتى لوتمت بعد عملية وقف إرادي للحمل فاشلة لا تشكل ضرراً من شأنه أن يعطي الحق للأم في المطالبة بالتعويض إلا إذا كانت تستطيع أن تثير ظروفاً أو وضعاً خاصاً.  وهذا ماقررته أيضاً محكمة النقض الفرنسية في العام 1991. ويستخلص من ذلك أن ولادة طفل غير مرغوب به لا يشكل بالنسبة لابويه ضرراً قابلاً للتعويض.ويقوم هذا الحكم على قيم أخلاقية، إذ أنه قرر أن مصلحة الأم في تجنب نفقات ولادة عادية بذاتها لا تستحق الحماية القانونية التي تمنحها دعوى المسؤولية، ويترتب على ذلك أن القضاء قرر أن القيمة الذاتية للحياة تسمو على الرغبات الشخصية للأم.أما بالنسبة للا ستثناء المتمثل بوجود ظروف خاصة أو أضرار خاصة أو آلام معنوية تضاف إلى النفقات العادية للولادة، فيمكن تبريره بالاستناد إلى أن التعويض هنا لا يقوم على أساس ولادة طفل غير مرغوب به، وإنما يقوم على العذاب الخاص الذي عانته الأم بسبب هذه الولادة، ومثال ذلك الحمل الناجم عن الاغتصاب.   والمسالة الأخرى التي كانت مثال جدال هي إمكانية التعويض عن ولادة طفل معاق. في هذه الحال يميز الفقه والقضاء بين حالتين: الحالة الأولى تتعلق بالإعاقة الناجمة عن الولادة أو أثناء الحمل، كما في حالة فشل عملية وقف إرادي للحمل، ثم تضاعفت أثارها ونجم عنها إعاقة للطفل، فهنا لا خلاف حول إمكانية تعويض الإعاقة، لأنها تشكل ضرراً. والحالة الثانية هي الإعاقة الوراثية غير المكتشفة. في هذه الحال الطفل معاق منذ لحظة الحمل، وبالتالي إذا لم يعلم الطبيب الأم بالإعاقة أو بخطرها، فإن ذلك يشكل خطاً لأنه أخل بالالتزام المفروض عليه بإعلام المريض. وبالتالي حرم الأم من الامكانية التي يمنحها القانون للتخلص من حمل يبرز خطراً . وبالتالي فإن النتيجة المترتبة على خطأ الطبيب في مثل هذه الحال هي السماح بولادة طفل معاق، فهل يشكل ذلك ضرراً يستوجب التعويض؟يرد البعض على ذلك بالنفي، وذلك لأن الحياة ترجح دائماً على عدم الحياة.وهذا ما حكمت به أيضاً محاكم الأساس في فرنسا. ولكن مجلس الدولة ومحكمة النقض الفرنسية قبلا بوجود الضرر في مثل هذه الحال. فالبنسبة لمحكمة النقض قررت بأنه في مثل هذه الحال يوجد ضرران، ضرر يلحق بالأبوين متمثل بالاضطرابات التي تسببها ولادة الطفل المعاق في حياة الأبوين، والضرر هنا لا ينجم عن ولادة الطفل، وإنما عن إعاقته. وضرر يلحق بالطفل، وبالتالي اجازت محكمة النقض للأبوين رفع دعوى باسم الطفل للمطالبة بالضرر الذي لحق به أيضاً، والضرر يتمثل بالنسبة له بالإعاقة التي لحقت به . أما مجلس الدولة فقد أقر بحق الوالدين بالمطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحق بهما في مثل هذه الحال، ولكنه رفض منح هذا الحق للطفل وذلك لانتفاء علاقة السببية بين الخطأ والضرر المتمثل بالإعاقة.  و أصدرت الهيئة العامة لمحكمة النقض قرارها المشهور باسم بيروش Perruche بتاريخ 17/11/2000 أقرت فيه بحق الطفل في المطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحق به نتيجة الإعاقة التي لم يكتشفها الطبيب.  ونتيجة الانتقادات التي اثارها قرار الهيئة العامة لمحكمة النقض الفرنسية تدخل المشرع الفرنسي بموجب القانون رقم 300/2002 تاريخ 4/3/2002 والمتعلق بحقوق المرض وجودة نظام الصخة ونص على أنه عندما تقوم مسؤولية الممارس أو المؤسسة الصحية تجاه أهل الطفل الذي ولد معاقاً ولم تكشف إعاقته أثناء الحمل بسبب خطأ موصوف، فيحق للأهل المطالبة بالتعويض عن الضرر الخاص الذي لحق بهم فقط. ولا يشمل هذا الضرر الأعباء الخاصة الناتجة، طيلة فترة حياة الطفل عن هذه الإعاقة. وإنما يكون تعويض هذه الإعاقة على عاتق صندوق التضامن الاجتماعي.
وفيما يتعلق بشرائط الضرر، سبق الإشارة في إطار المسؤولية العقدية إلى أنه يشترط في الضرر أن يكون شخصياً وأكيداً ومباشراً. وفي إطار المسؤولية التقصيرية يشترط فيه توافر هذه الشرائط. زد على ذلك أن بعض القوانين التي صدرت حديثاً في سورية يجيز التعويض ليس عن الضرر الممباشر فقط، وإنما أيضاً عن الضرر غير المباشر. ومثال ذلك المادة الأولى من المرسوم التشريعي رقم 64 لعام 2005 المتعلق بالأشعة المؤينة، والتي تعرَف الضرر بأنه :((الأذى الناجم عن الخواص الاشعاعية أو اختلاط الخواص الاشعاعية بالخواص السمية أو الانفجارية أو غيرها من الخواص الخطرة لمصدر أشعة يلحق بشخص ويسبب له أو لنفسه عاهة دائمة أو مؤقتة أو يؤدي إلى فقدانه الحياة أو يسبب له أضراراً مادية أو اقتصادية بشكل مباشر أو غير مباشر أو يلحق بالبيئة أو الممتلكات ويسبب دماراً أو تخريباً أو ضرراً لها، بما في ذلك تكاليف إعادة الحال إلى ماكان عليه وتكاليف تدابير تلافي الضرر)). واعتقد أن هذا يشكل خروجاً خطيراً على قواعد المسؤولية التقصيرية. زد على ذلك أن هذا النص لم يأت بمعيار واضح يحدد إلى حد يمكن أن يسأل الشخص عن الضرر غير المباشر الذي سببه بفعله.إضافة إلى أن النص جاء بشرح طويل ليس له محله في متن القانون وإنما هو من عمل الفقه والقضاء.كما سبق الإشارة في إطار المسؤولية العقدية إلى أن التعويض يشمل الضرر المادي والضرر الأدبي. والضرر الأدبي هو الضرر الذي لا يصيب الشخص في حق من حقوقه المالية، وهو الذي يسبب ألماً للمضرور.  ومصادر هذا الألم متنوعة، فيمكن أن ينتج عن اعتداء على حق من الحقوق اللصيقةبالشخصية، أو على السلامة الجسدية للشخص، أو على حق من حقوق الأسرة، أو ينتج عن المساس بمشاعر المضرور وأفكاره ومعتقداته. ويميز الفقه بين نوعين من الضرر الأدبي، وهما: ضرر أدبي متصل بضرر مادي، كالتشوهات التي تصيب المضرور نتيجة حادث، وضرر ادبي محض،ومثاله المساس بمشاعر الحنان والعاطفة، وبالمشاعر الدينية للشخص. وكان التعويض عن الضرر الأدبي مثار خلاف بين الفقهاء، وخاصة في فرنسا وذلك لأن النص الأصلي للتقنين المدني الفرنسي لعام 1804 لم يكن ينص على ذلك صراحة. ولكن الفقه والقضاء المعاصرين يجمعان على قبول فكرة التعويض المالي عن الضرر الأدبي. وبالنسبة لصاحب الحق في التعويض عن الضرر الأدبي، فقد يكون المصاب نفسه وهذا هو الضرر الأدبي الأصلي، كالاعتداء الذي يسبب للشخص آلأما نفسية، وكذلك الآلام النفسية الناجمة عن التشوهات، وكذلك الآلام النفسية الناجمة عن الحرمان من بعض ملذات الحياة، كحرمان الشخص من ممارسة الرياضة المفضلة، وهذا ما يسمى بضرر الموافقة. كما يمكن أن ينجم الضرر الأدبي من موت حيوان. والنوع الثاني هو الضرر الأدبي المرتد،وهو الذي يلحق باقارب المصاب. ولا خلاف إذا كان هذا الضرر الأدبي المرتد ناجماً عن موت المصاب، ونص المادة 233 م.س (222 م.مصري) صريح بهذا الشأن. ولكن ثار الخلاف حول الضرر الأدبي الناجم عن إصابة المصاب بأضرار جسيمة. لا ينص القانون السوري صراحة على ذلك، ولم أعثر على حكم لمحكمة النقض السورية يجيز ذلك. ولكن القضاء في فرنسا قد استقر على امكانية تعويض هذا الضرر أيضاً وهو اجتهاد محق.
الفقرة -3- علاقة السببية: الركن الثالث للمسؤولية التقصيرية هو علاقة السببية بين الخطأ وبين الضرر. وهذا الركن هو مستقل عن الركنين الآخرين، وبالتالي لا يعني توافر هذين الركنين أن المسؤولية قائمة وإنما لابد أن يتوافر الركن الثالث أيضاً حتى تقوم المسؤولية، فما المقصود بعلاقة السببية؟ وما هي خصائصها، وكيف يمكن نفيها؟
أولاً:- مفهوم علاقة السببية: لا يكفي لقيام المسؤولية أن يكون هناك خطأ وضرر، وأن يكون هناك تعاصر بينهما، وإنما يجب أن يكون الخطأ هو السبب الذي أدى إلى وقوع الضرر. فقد يكون هناك خطأ وضرر، ولكن لا تتوافر علاقة السببية بينهما، وبالتالي فلا تقوم مسؤولية من ارتكب ذلك الخطأ. والمثال التقليدي في هذا المجال هو أن يدس شخص سماً في طعام شخص آخر، وقبل أن يسري السم في جسده، أقدم شخص آخر على إطلاق النار عليه وأرداه قتيلاً. ففي هذا المثال من دس السم قد ارتكب خطأً، ولكن ليس هذا الخطأ هو الذي أدى إلى الوفاة، وبالتالي أنتفت علاقة السببية بين هذا الخطأ وبين الضرر وهو الوفاة.  وقد توجد علاقة السببية، ولكن لا يكون الخطأ متوفراً ومع ذلك يكون الشخص مسؤولاً عن الضرر الذي وقع نتيجة فعله حتى لو لم تتوافر في فعله أركان الخطأ. وهذه هي حالة المسؤوليات القائمة على تحمل التبعة. ويقع على عاتق المضرور إثبات علاقة السببية. فإذا أثبت المضرور ركن الخطأ وركن الضرر، فهنا يفترض توافر السببية بينهما. وبالتالي فإن استقلال علاقة السببية عن ركن الخطأ لا يبدو ظاهراً بشكل واضح، وأن علاقة السببية تختفي وراء ركن الخطأ. ولا يبرز هذا الاستقلال إلا في الحالات التي تقوم فيها المسؤولية على خطأ مفترض.  ولا توجد أي صعوبة في إثبات علاقة السببية في حال ما إذا كان سبب واحد أدى إلى وقوع الضرر. ولكن إذا تعددت الأسباب التي أدت إلى وقوع الضرر، فهنا تثور مشكلة إثبات علاقة السببية بين الخطأ والضرر، فمثلاً إذا صدم شخص يقود دراجة هوائية شخصاً كان يقطع الطريق إلى الجهة الأخرى فأصابه بضرر، ثم تبين أن من كان يقود الدراجة كان يسير بسرعة، وكانت مكابح هذه الدراجة لا تعمل بشكل جيد، ثم أن المضرور كان شارداً عندما حاول أن يقطع الطريق، فما هو السبب في مثل هذه الحال في وقوع الضرر؟ هل هو خطأ من يقود الدراجة؟ أم خطأ من صنعها؟ أم خطأ المضرور الذي كان شارداً؟ ظهرت نظريتان فقهيتان وجدتا مكاناً مهماً في القضاء من أجل تحديد علاقة السببية في حال تعدد الأسباب، وهما: نظرية تعادل الأسباب، ونظرية السبب المنتج.
1:- نظرية تعادل الأسباب: وهي نظرية ألمانية المنشأ. ومضمون هذه النظرية هو أن السبب الحقيقي في وقوع الضرر هو السبب الذي أسهم في وقوعه، بحيث لولاه لما وقع الضرر. وبالتالي تعد جميع الأسباب التي ساهمت في وقوع الضرر أسباباً حقيقية لوقوع الضرر، وتعد متعادلة ومتكافئة في حدوث الضرر. وفي المثال السابق تعد الأفعال التي قام بها الشخص الذي يقود الدراجة، والصانع و المضرور متعادلة في وقوع الضرر، ويعدون جميعاً مسؤولين عن الضرر. ولا يمكن أن تعد الأسباب متعادلة وفقاً لهذه النظرية إلا إذا كانت مستقلة عن بعضها البعض. فإذا كان أحد الأسباب نتيجة حتمية لسبب سابق عليه، فلا يعد السبب اللاحق سبباً حقيقياً في وقوع الضرر. ومثال ذلك إذا عبر شخص الطريق فجأة ومن غير المكان المخصص لذلك، مما أدى إلى أن يقوم السائق بحركة مفاجئة من أجل تفادي دهسه، فأصاب السائق سيارة أخرى بأضرار، فهنا لا يعد السائق مسؤولاً عن الضرر الذي لحق بالسيارة الأخرى، وإنما السبب الحقيقي هو خطأ عابر الطريق.  
2:- نظرية السبب المنتج أو السبب الفعَال: وهذه النظرية أيضاً ألمانية المنشأ، وظهرت نتيجة الانتقادات الموجهة إلى نظرية تعادل الأسباب. ومفاد هذه الانتقادات أنه لا يكفي لكي يعد فعل سبباً في حدوث الضرر إسهامه في وقوع الضرر بحيث لولاه لما وقع ذلك الضرر، وذلك لأن الأفعال المتعددة التي ساهمت في إحداث الضرر لا يكون لها النصيب ذاته في إحداثه، فبعضها تكفي لوحدها لإحداث الضرر، وبعضها الآخر لا تكفي لوحدها لإحداث ذلك الضرر. وبالتالي يجب وفقاً لهذه النظرية التمييز بين السبب المنتج، وهو الذي يكفي لوحده لإحداث الضرر، والسبب العارض، وهو الذي لا يكفي لوحده لإحداث الضرر. وبالتالي يكون السبب المنتج هو الذي أحدث الضرر. فمثلاً لو أن شخصاً نسي مفاتيح سيارته فيها، فجاء لص وسرق السيارة، ومن ثم قادها بسرعة جنونية، ونتيجة ذلك دهس أحد المارة. ففي مثل هذه الحال تضافر سببان لإحداث الضرر، ولكن السبب المنتج هو خطأ السارق في قيادة السيارة بسرعة جنونية.
ويبدو أن القضاء في سورية يأخذ بنظرية السبب المنتج. إذ جاء في قرار لمحكمة النقض السورية أنه إذا تعددت أسباب الحادث، يجب على المحكمة أن تأخذ بالسبب المنتج له، دون السبب العارض.  
ثانياً:- خصائص علاقة السببية: حتى تقوم علاقة السببية بين الخطأ والضرر يجب أن تكون هذه السببية مخففة ومباشرة.
1:- يجب أن تكون علاقة السببية محققة: أما إذا كانت علاقة السببية احتمالية واستحال إثباتها، فلا تقوم المسؤولية وذلك بسبب انتفاء السببية بين الخطأ والضرر. ففي مثال السيارة المسروقة، تعد علاقة السببية بين خطأ المالك الذي أهمل ونسي المفاتيح فيها، وبين وقوع الضرر احتمالية، وبالتالي لا تقوم مسؤوليته.
2:- يجب أن تكون علاقة السببية مباشرة: قد يؤدي الفعل الضار إلى أضرار متعاقبة عدة، فهل يسأل مرتكب الفعل عن جميع هذه الإضرار ؟  تقتضي علاقة السببية أن يسأل الفاعل عن الإضرار المباشرة المترتبة على فعله، أما الإضرار غير المباشرة فلا يسأل عنها لانتفاء علاقة السببية بينها وبين الفعل الضار. ويعد الضرر مباشراً إذا كان نتيجة طبيعية للخطأ، وفقاً للمعيار الذي نصت عليه المادة 222 م.س والتي وردت في صدد المسؤولية العقدية، إلا أن الفقه مستقر على أنها تطبق أيضاً على المسؤولية التقصيرية.  ويكون الضرر نتيجة طبيعية للخطأ إذا لم يكن باستطاعة المضرور أن يتوقاه ببذل جهد معقول. وسبق الإشارة إلى أن المرسوم التشريعي رقم 64 لعام 2005 المتعلق بالأشعة المؤينة ومصادر الأشعة ينص على تعويض الضرر المباشر والضرر غير المباشر. وهذا استثناء من القواعد العامة للمسؤولية التقصيرية. ولكن لا أدري كيف سيطبق القضاء هذا الأمر، وذلك لانتفاء علاقة السببية بين الخطأ وبين الضرر غير المباشر، وأخشى أن يبقى هذا النص غير مطبق على أرض الواقع.
ثالثاً:- انتفاء علاقة السببية بين الخطأ والضرر: تنص المادة 166 م.س. (المادة 165 مصري) على أنه ((إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه كحادث مفاجئ أو قوة قاهرة أو خطأ المضرور أو خطأ الغير، كان غير ملزم بتعويض هذا الضرر، ما لم يوجد نص أو اتفاق على غير ذلك)). ويترتب على ذلك أنه يمكن نفي علاقة السببية بين الخطأ والضرر بإثبات السبب الأجنبي، مما يؤدي إلى انتفاء المسؤولية. وصور السبب الأجنبي وفقاً لنص هذه المادة هي القوة القاهرة أو الحادث المفاجئ، وخطأ المضرور وخطأ الغير.  
1:- القوة القاهرة: سبق الإشارة إلى القوة القاهرة كسبب أجنبي تؤدي إلى نفي علاقة السببية بين الخطأ والضرر في آثار المسؤولية العقدية، وما قيل هناك يطبق على المسؤولية التقصيرية أيضاً. ولكن في بعض الحالات يقرر المشرع على أن المسؤول لا يمكن أن يدفع المسؤولية عن نفسه بإثبات القوة القاهرة.
2:- خطأ المضرور: يشترط أن يكون الفعل الذي يأتيه المضرور أن يعد خطأ حتى يكون من شأنه التأثير في مسؤولية المدين. أما إذا كان فعل المضرور لا يعد خطأ، فلا يؤثر ذلك على مسؤولية المدين. ولا يشترط في مثل هذه الحال من أجل نسبة الخطأ إلى المضرور أن يكون مميزاً. فإذا كان خطأ المضرور هو السبب الوحيد في وقوع الضرر فيعفى المدين من المسؤولية. أما إذا اشترك خطأ المضرور مع خطأ المدين في إحداث الخطر، فيجب التمييز بين حالتين:
- الحالة الأولى: استغراق أحد الخطأين للخطأ الآخر: إذا استغرق أحد الخطأين الخطأ الآخر، لا يكون للخطأ المستغرَق أي أثر. فإذا كان خطأ المدين قد استغرق خطأ المضرور، فتعد مسؤولية المدين كاملة عن الضرر، ولا تأثير لخطأ المضرور في مثل هذه الحال على مسؤوليته. أما إذا كان خطأ المضرور قد استغرق خطأ المدين، فتنتفي مسؤولية هذا الأخير، ولا يحق للمضرور أن يطالب بالتعويض. ويكون أحد الخطأين مستغرقاً للآخر في حالتين:
أ:- الخطأ المستغرق يفوق في الجسامة كثيراً الخطأ المستغرّق: كأن يكون الخطأ المستغرق خطأ عمدي، والخطأ المستغرَق  غير عمدي، فعندئذ يستغرق الخطأ العمدي الخطأ غير العمدي. فإذا ارتكب المدين خطأ عمدياً ساهم مع خطأ المضرور غير العمدي في إحداث الضرر، يكون المدين مسؤولاً عن تعويض هذا الضرر بشكل كامل، لأن خطأه استغرق خطأ المضرور، كأن يتعمد السائق دهس عابر سبيل يجتاز الطريق من غير المكان المخصص للمشاة. وبالمقابل إذا كان خطأ المضرور متعمداً وخطأ المدين غير عمدي، فهنا تنتفي مسؤولية المدين لانتفاء علاقة السببية بين خطئه وبين الضرر، ويتحمل المضرور تبعة خطأه العمدي لوحده، كما لو أراد شخص الانتحار فرمى بنفسه أمام سيارة كان سائقها يجري مكالمة هاتفية بواسطة جهازه النقال، فلا يكون هنا لخطأ السائق، والتحدث بالهاتف أثناء القيادة، دور في إحداث الضرر لأن خطأ المضرور العمدي استغرقه. والصورة الأخرى لاستغراق أحد الخطأين الآخر هي رضاء المضرور بالضرر. ولا يزيل رضاء المضرور صفة الخطأ عن فعل المدين، وبالتالي يبقى من حيث المبدأ مسؤولاً عن تعويض ذلك الضرر. ولكن إذا وصل رضاء المضرور إلى حد الخطأ، فعندئذ يؤثر على مسؤولية المدين ويخفف منها، كمن يركب سيارة يقودها شخص ثمل فارتكب حادثاً ألحق به ضرراً، فهنا يعد الراكب راضياً بالضرر، وهذا الرضاء يعد خطأ، وبالتالي يخفف من مسؤولية السائق. وفي بعض الحالات النادرة يعد رضاء المضرور بالفعل خطأ جسيماً من شأنه أن يستغرق خطأ المدين وبالتالي يعفيه من المسؤولية، فمثلاً لو رضي صاحب سيارة بنقل مواد مهربة بسيارته مقابل مبلغ من المال، فصادرت الجمارك سيارته مع البضاعة، فلا يحق له الرجوع على صاحب المواد المهربة بشيء، لأنه عندما رضي بهذا الفعل أرتكب خطأ جسيماً. 
ولا يكفي علم المضرور بالضرر من أجل تخفيف مسؤولية المدين، كما أن الرضاء الذي لا يعد خطأ لا يؤثر من حيث المبدأ على مسؤولية المدين.
ب:- كون أحد الخطأين بنتيجة للآخر: إذا كان أحد الخطأين نتيجة للآخر فلا يعتد إلا بالخطأ الذي وقع أولاً. فإذا كان خطأ المضرور نتيجة لخطأ المدين، فلا تأثير لخطأ المضرور على مسؤولية المدين.كما لو ركب شخص مع صديق له في سيارته، وأخذ السائق يظهر له مهاراته في القيادة متجاوزاً السرعة القانونية بكثير مما أفزع ذلك الشخص، فأنتهز فرصة خفف فيها السائق من سرعته ورمى بنفسه على حافة الطريق مما أدى إلى إلحاق ضرر به، فخطأه هنا هو نتيجة لخطأ السائق وبالتالي لا يعتد به، ويبقى السائق مسؤولاً مسؤولية كاملة عن الضرر. وكذلك الحال إذا أخطأ المريض في تناول كمية من الدواء بناءً على وصفة خاطئة من الطبيب، فلا يؤثر خطأه على مسؤولية الطبيب لأنه كان نتيجة لخطأ الطبيب. أما إذا كان خطأ المدين هو نتيجة لخطأ المضرور، فتنتفي مسؤوليته لانتفاء علاقة السببية بين خطئه وبين الضرر. ويترتب على ذلك أنه إذا توافرت حالة من هاتين الحالتين يكون أحد الخطأين قد استغرق الخطأ الآخر، فإذا كان خطأ المضرور قد استغرق خطأ المدين، يجوز عندئذٍ للقاضي ألا يحكم بأي تعويض، استناداً إلى المادة 217 م.س. (المادة 216 م. مصري). أما إذا كان خطأ المدين قد استغرق خطأ المضرور، فلا يؤثر ذلك على مسؤوليته ويبقى مسؤولاً مسؤولية كاملة عن تعويض الضرر الذي أحدثه بخطئه. 
- الحالة الثانية: استقلال الخطأين: إذا لم تتوافر إحدى حالتي استغراق خطأ للخطأ الآخر، عندئذ يكون خطأ المضرور مستقلاً عن خطأ المدين، ويكون قد اشترك خطأه مع خطأ المدين في إحداث الضرر، فنكون بصدد خطأ مشترك. ومثال ذلك أن يقوم عابر سبيل بعبور طريق دون التأكد من خلوه، فتدهسه سيارة مسرعة ويتسبب السائق بوفاته، فهنا تكون المسؤولية مشتركة.  ويترتب على ذلك أن المضرور والمدين يتحملان معاً نتيجة الخطأ المشترك، وتوزيع المسؤولية في مثل هذه الحال تكون على أساس المادتين 170 و217 م.س (169 و 216م. مصري). والأصل في توزيع المسؤولية هنا أن تكون بناءً على جسامة الخطأ، فإذا لم يتمكن القاضي من تحديد ذلك، كانت المسؤولية بالتساوي. ويتم توزيع المسؤولية وفقاً لما سبق حتى لو كان كل من الطرفين مضروراً و مسؤولاً (أي دائناَ و مديناً) في الوقت نفسه، وهذا هو الحال بالنسبة لحوادث تصادم السيارات. وعندما تقوم محكمة الموضوع بتوزيع المسؤولية، في حالة الخطأ المشترك، عليها أن تبين في قرارها الأخطاء المرتكبة حتى تتمكن محكمة النقض من بسط رقابتها فيما إذا كانت نسبة المسؤولية المقررة تنسجم مع تلك الأخطاء.  
3:- خطأ الغير: ويقصد بالغير هنا أي شخص غير المضرور والمسؤول عن الضرر. كما يجب ألا يكون من الأشخاص الذين يسأل عنهم المسؤول، كالتابع أو الخاضع للرقابة. فإذا كان فعل الغير هو السبب الوحيد في وقوع الضرر، فإذا كان يعد خطأً، يسأل الغير لوحده عن تعويض ذلك الضرر. أما إذا لم يكن خطأ وتوافرت فيه شروط القوة القاهرة المتمثلة بعدم إمكانية التوقع، وعدم إمكانية الدفع، فيعد من قبيل القوة القاهرة، وبالتالي تنتفي مسؤولية المدين وذلك لانتفاء علاقة السببية بين خطئه وبين الضرر. أما إذا اشترك خطأ الغير مع خطأ المدين، فتطبق القواعد ذاتها المطبقة على خطأ المضرور. فإذا كان أحد الخطأين يستغرق الآخر، لا يكون للخطأ المستغرق أي أثر. فإذا استغرق خطأ الغير خطأ المدين، فلا يعد المدين مسؤولاً عن التعويض وذلك لانتفاء علاقة السببية. و يعد الغير في مثل هذه الحال مسؤولاً عن تعويض الضرر الذي وقع نتيجة خطأه.
أما إذا لم يستغرق أحد الخطأين الآخر، فتطبق أحكام الخطأ المشترك. وبالتالي يسأل الغير والمدين على وجه التضامن وفقاً لما جاء في المادة 170 م.س. (169م. مصري) عن الضرر الذي لحق بالمضرور وفقاً لما يحدده القاضي. ويكون لمن دفع كامل التعويض الحق في الرجوع على الآخر بنصيبه الذي يتحمله وفقاً لما حدده القاضي. أما إذا كان فعل الغير توافرت فيه شروط القوة القاهرة واشترك مع خطأ المدين في إحداث الضرر، فيسأل المدين في مثل هذه الحال عن تعويض كامل الضرر وذلك لأن فعل الغير يعد من قبيل القوة القاهرة. ويمكن في بعض الأحيان أن يأخذ القاضي ذلك بالحسبان ولا يحكم بتعويض كامل، وإنما بتعويض جزئي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تأليف و تنظيم و اختصاصات محكمة النقض

تأليف و تنظيم و اختصاصات محكمة النقض تعليق على الموضوع تقييم التطبيق توجد محكمة النقض على قمة هرم التنظيم القضائي المغربي، و يشمل نفوذها جميع التراب الوطني. أحدثت محكمة النقض، غداة الاستقلال و كانت تسمى آنذاك المجلس الأعلى تنظيم محكمة النقض: يترأس محكمة النقض الرئيس الأول الذي يتوفر على اختصاصات قضائية و إدارية، و يسهر على حسن سير الغرف و كتابة الضبط كما يترأس مكتب المحكمة. ويمثل النيابة العامة في محكمة النقض الوكيل العام للملك يساعده المحامي العام الأول و المحامون العامون. تتكون محكمة النقض من ست غرف: 1. الغرفة المدنية (تسمى الغرفة الأولى)، 2. غرفة الأحوال الشخصية والميراث، 3. الغرفة التجارية، 4. الغرفة الإدارية، 5. الغرفة اجتماعية، 6. الغرفة الجنائية. و يرأس كل غرفة رئيس غرفة، و يمكن أن تقسم هذه الغرف إلى أقسام. يتكون مكتب محكمة النقض من الرئيس الأول و رؤساء الغرف و قيدوم المستشارين بكل غرفـة و من الوكيل العام للملك و المحامي العام الأول. يحضر رئيس كتابة الضبط اجتماع المكتب الذي ينعقد في النصف الأول من شهر دجنبر، وذلك: لتوزيع القضاة و القضايا على مختلف الغرف، لتحديد عدد أقسام كل غرفة...

شرح جريمة القتل العمدي و القتل غير العمدي وفق القانون الجزائري

🔶شرح جريمة القتل العمدي و القتل غير العمدي وفق القانون الجزائري أولا جريمة القتل العمدي في القانون الجزائري ثانيا جريمة القتل غير العمدي في القانون الجزائري ثالثا التعويض في جريمة القتل العمدي والقتل غير العمدي ✨أولا جريمة القتل العمدي في القانون الجزائري تعريف جريمة القتل العمد : تم تعريفه بنص المادة 254 قانون العقوبات " القتل إزهاق روح إنسان عمدا "، هذا التعريف ينصر إلى قتل شخص عادي أما إذا كان المجني عليه أب أو أم فيأخذ وصف قتل الأصول والذي عرفته مادة 258 ق.ع "قتل الأصول هو إزهاق روح الأب أو الأم أو أي من الأصول الشرعيين". كما أن المادة 259 قانون عقوبات حددت وعرفت قتل الطفل بحيث إعتبرته "قتل الأطفال هو إزهاق روح طفل حديث العهد بالولادة" بحيث أن هذه الأوصاف الثلاثة حدد لها المشرع عقوبة خاصة خاصة بها وهذا يعني أن جريمة القتل يجب أن تتضمن الجانب الشرعي والمتمثل في البحث عن النصوص القانونية ، ثم الجانب المادي أي البحث عن موضوع الجريمة ،السلوك المادي لتحقيق هذه الجريمة ثم الجانب المعنوي وهو البحث عن القصد الجنائي ، وأن جريمة القتل تتنوع كما سبق ذكرها إلى قت...

الشهادة الإدارية المتعلقة بالعقار غير المحفظ بقلم الاستاذ الزكراوي محمد

الشهادة الإدارية المتعلقة بالعقار غير المحفظ         بقلم الاستاذ الزكراوي محمد اطار وزارة الداخلية باحث في الشؤون الادارية و القانونية تـقـديـــــــــم لا شك ان الانظمة العقارية .في المغرب متنوعة باختلاف المراجع القانونية من جهة. وكدلك من حيث الجهات المالكة لها .فمنها ما هي حبسية او جماعية او تلك التي ترجع لأملاك الدولة او غيرها من العقارات المخزنية و الغابوية والأراضي السلالية .الى جانب الملكية الفردية .التي تحضى بحماية الدستور. الذي كرسها الفصل 35 من دستور 2011 إلا ان ما يهمنا في هذا المقام هو الغوص في الاشكاليات المتعلقة بخصوص طلبات الحصول على الشواهد الادارية المتعلقة بالعقارات الغير المحفظة. .ماهي الجهة المخول لها صلاحية منح الشهادة الادارية موضوع العقار .ما هي الجهات الادارية المساعدة بخصوص الافادات في موضوع العقار المعني بالشهادة الادارية ماهي صلاحيات السلطة المحلية في هذا الشأن ماهي مسطرة طلبات اقامة ملكية على عقار غير محفظ .وما هي الوثائق المعنية بالموضوع تلكم اسئلة سنحاول الاجابة عنها اثناء مناقشتنا لهدا الموضوع. 1 – المراجع المنظمة لمسطرة طلب الحصول على ...